السيد هادي الخسروشاهي

36

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة

5 - الاتّزان الفكري فقد امتاز الشيخ رحمه الله بفكرٍ متّزنٍ ، فليس هو بالفكر الذي يرفض كلّ شيءٍ لا يتناغم مع الجديد ، وليس هو بالفكر الذي يقبل كلّ قديمٍ بلا تمحيص . ففي إحدى مقالاته يروي لنا عن أحدهم كان يتحدّث معه في جلسةٍ خاصّةٍ وبحماس شديدٍ في مسألة وجوب التخلّص من الإسرائيليات ، وضرب لذلك مثلًا موضوع خلق السماوات والأرض في ستة أيام ! وبعد أن فرغ من حديثه الطويل ، وظنّ أنّه قد أقنع الشيخ بكلامه ، بادره الشيخ رحمه الله قائلًا : ولكن هذا موجود في القرآن يا أخي ، وليس من الإسرائيليات في الحديث كما تعتقد ، فبهت المتحدّث واستولى عليه الوجوم ، وأطبق صامتاً . ويسترسل الشيخ في مقالته مضيفاً : « لست أنكر أنّ هناك دسّاً وخلقاً ، ولكنّي مع ذلك أعارض أشدّ المعارضة في أن تمسّ كتب الحديث ، ونستبيح لأنفسنا حقّ التصرّف فيما نراه نحن من دسّ الدسّاسين . . . ، كان لدى القدماء مقاييس وموازين للحكم على الحديث استعملوها فيما سجّلوه لنا ، وربّما كانوا على شيءٍ من حسن الظنّ لمكانتهم وحسن القبول عنهم لما خفي من أحوالهم » « 1 » . إذن كون الشيخ القمي من دعاة التقريب لا يعني البتة أنّه يعمل على إلغاء التراث الروائي ، أو النظر إليه باستخفاف ، بل أنّه يقف منه موقفاً علمياً ، يحكّم فيه الموازين والأسس العلمية ، وليس الأهواء والرغبات ، لأنّ هذا ليس بإصلاح ، بل هو ابتذال وإفساد للعقل ، وجناية على الدين والتراث ، وتضييع للجهود العظيمة التي بُذلت من أجل حفظ التراث وإيصاله إلينا عبر هذه القرون الطويلة . والمتتبّع لما يكتبه الشيخ يرى بشكل واضح الأصالة والعمق الفكري الذي يتمتّع

--> ( 1 ) . من مقالة بعنوان : « محنة التراث الخالد على أيدي أهل الجديد » ، نشرته مجلّة رسالة الإسلام ، العدد الرابع ، أكتوبر 1952 محرم 1372